المامقاني
275
غاية الآمال ( ط . ق )
نطفته التي هي نطفة حر ومن شأنها أن يتبعها الولد فيصير من قبيل التالف وان شئت عبرت عن هذا المطلوب بعبارة أخرى وهي ان احداثه منه حيث القى نطفته وحريته ليست منه لأنها حكم من جانب اللَّه ( تعالى ) فلا يتحقق هنا الإتلاف الَّذي هو سبب أخر للضمان و ( حينئذ ) فيبقى الضمان مستندا إلى إثبات اليد عليه ويتم المطلوب من الاستدلال بالحديث وأورد عليه بعض من تأخر بأن ( المصنف ) ( رحمه الله ) قد اعترف بأنّه من قبيل التالف ولا ريب انّ الرّجل صار سببا للتلف وان لم يكن متلفا مباشرا للإتلاف وذلك لأنّه ألقي نطفته التي هي نطفة الحر في رحمها فحكم اللَّه على المخلوق منها بالحرية فتحقق سببيّته وان لم يتحقق مباشرته ومن المقرر فيما يليق به من أبواب هذه الصّناعة ان من جملة أسباب الضمان سببيّة الإتلاف وان كان عند اجتماع السّبب والمباشر يقدم الثاني الا أن يكون ضعيفا في جنب الأول فإن ذلك غير مانع عن عد سببيّته الإتلاف من أسباب الضّمان كما هو ( ظاهر ) ومن البين ان مجرّد نفى سبب من الأسباب الأخر للضمان وهو الإتلاف لا يكفي في كون ما نحن فيه من قبيل ما صار فيه إثبات اليد سببا للضمان بل لا بد من نفى غيره من الأسباب التي كل واحد منها عنوان مستقل موجب للضمان ومن جملتها سببيته الإتلاف قوله من جزئيات القاعدة المعروفة وصف القاعدة في الرّياض بالشهرة وفي كتاب الإجارة منها بكونها متفقا عليها وفي شرح ( القواعد ) بالشهرة وبكونها مجمعا عليها وكونها موافقة للقواعد الشّرعية قوله وهذه القاعدة أصلا وعكسا وان لم أجدها بهذه العبارة في كلام من تقدم على العلامة ( قدس سره ) ظاهره أنها موجودة في كلام العلامة ( قدس سره ) والذي عثرت عليه في كلامه ما ذكره في كتاب الرّهن من ( التذكرة ) حيث قال إذا فسد الرّهن وقبضه المرتهن لم يكن عليه ضمان لأنه قبضه بحكم انه رهن وكل عقد كان صحيحة غير مضمون ففاسده أيضا ( كذلك ) وكل عقد كان صحيحة مضمونا ففاسده مثله امّا الأوّل فلانّ الصّحيح إذا أوجب الضّمان فالفاسد أولى باقتضائه وامّا الثاني فلان من أثبت اليد عليه أثبته عن إذن المالك ولم يلتزم بالعقد ضمانا ولا يكاد يوجد التسليم والتّسلم الا من معتقدي الصحّة انتهى وفي ( الروضة ) فإن قبض المشترى المبيع والحال هذه يعنى انّ البيع فاسد بشيء من الوجوه التي ذكرها كان مضمونا عليه لان كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده وبالعكس هذا كلامه وفي كتاب الرّهن من لك لو رهنه الرّاهن على الدّين المؤجل وشرط له انه لم يؤدّى الدّين في ذلك الأجل يكون الرّهن مبيعا له بالدين أو بقدر مخصوص فإنّه لا يصحّ الرّهن ولا البيع امّا الرّهن فلإنه لا يتوقف الا بالوفاء وامّا البيع فلأنه لا يتعلق إلى أن قال إذا تقرر ذلك فلو قبضه المرتهن على هذا الوجه ضمنه بعد الأجل لا قبله لأنه في مدة الأجل رهن فاسد وبعده مبيع فاسد وفاسد كلّ عقد يتبع صحيحة في الضمان وعدمه فحيث كان صحيح الرّهن غير مضمون كان فاسده ( كذلك ) وحيث كان صحيح البيع مضمونا على المشترى ففاسده أيضا ( كذلك ) هذا كلامه وفي معنى العبارة المذكورة للقاعدة عبارة أخرى ذكرها في ( التذكرة ) حيث قال لو فسند عقد المسابقة وركض المتسابقان على فسادها وسبق الذي لو صحت المسابقة لاستحق السّبق المشروط قال الشيخ ( قدس سره ) لا يستحق شيئا على باذل المال لأنه لم يعمل له شيئا وفائدة عمله ترجع إليه بخلاف ما إذا عمل في الإجارة أو الجعالة الفاسدتين فإنه يرجع العامل إلى أجرة المثل لأن فائدة العمل ترجع إلى المستأجر والجاعل وللشافعية قولان أحدهما انه لا يستحق الفاصل شيئا لأنه لم يفوت عليه عمله ولا عاد نفع ما فعله إليه وقال أكثرهم يجب له أجرة مثله لان كل عقد استحق المسمّى في صحيحة فإذا وجد المعقود عليه في الفاسد وجب عوض المثل كالإجارة والعمل في القراض وقد لا ينتفع به المالك ومع ذلك يكون مضمونا فعلى هذا ان كان الفساد لخلل في السّبق كتعذر تموله بأن يكون خمرا أو خنزير أو مجهولا فالرّجوع إلى أجرة المثل إلى أخر ما قال ولكن لا يخفى عليك ان مؤدّى هذه العبارة لا يجري في العارية لأن المالك يستحق المسمّى في صحيحها ما دام موجودا فإذا هلك استحق عوضه ان كانت العارية مضمونة وكذا في فاسدتها فلا يجرى فيها ان كل عقد استحق المسمّى في صحيحة فإذا وجد المعقود عليه في الفاسد وجب عوض المثل ومثلها عبارة الشهيد الثاني ( قدس سره ) الآتية الا ان ( يقال ) ان هذه قاعدة أخرى أخصّ من القاعدة التي كان عليها الكلام كما أن أجرة المثل في عبارة الشّهيد الثاني انما هي بالنّظر إلى المورد ولهذا عبروا في العارية المضمونة الفاسدة بالعبارة الأولى فافهم قوله ولم أجد من تأمل فيها عدا الشّهيد ( قدس سره ) في ( كذلك ) فيما لو فسد عقد السّبق فهل يستحق السابق أجرة المثل أم لا قال ( رحمه الله ) بعد تقسيم الفساد إلى قسمين أحدهما أن يكون ابتدائيا بحيث لم ينعقد العقد أصلا والأخر أن يكون طارئا بأن ظهر العوض مستحقا مع عدم إجازة المالك فإن كان فساده من الجهة الأولى فقد قطع ( المصنف ) ( رحمه الله ) بأنه لا شيء للسّابق وهو اختيار الشّيخ ( قدس سره ) ووجهه انه لم يعمل شيئا ولا فوت عليه عمله ولا عاد نفع ما فعله إليه وانما فائدة عمله راجعة إليه بخلاف ما إذا عمل في الإجارة والجعالة الفاسدتين فإنه يرجع إلى أجرة مثل عمله لأن فائدة العمل للمستأجر والجاعل وذهب العلامة ( قدس سره ) وجماعة المتأخرين إلى وجوب أجرة المثل لأنه عقد استحق المسمّى في صحيحة وإذا وجد المعقود عليه في الفاسد وجب عوض المثل ولا نسلم ان وجه وجوب أجرة المثل في العقدين ونظائرهما لرجوع عمل العامل إلى من يجب عليه العوض لان العمل في القراض قد لا ينتفع به المالك ومع ذلك يكون مضمونا ثم قال وعندي فيه نظر لان الالتزام لم يقع الا على تقدير العقد الصّحيح والأصل برأيه الذمّة من وجوب شيء أخر غير ما وقع عليه العقد والفرق بين هذا العقد وبين ما يجب فيه أجرة المثل من العقود واضح لا من جهة ما ذكروه من رجوع نفع عمل العاقل إلى من يخاطب بالأجرة حتى يرد عليه مثل العمل الذي لا يعود به عليه نفع في القراض بل لان تلك العقود اقتضت أمر العامل بعمل له أجرة في العادة فإذا فسد العقد المتضمن للعوض المخصوص بقي أصل الأمر بالعمل الموجب لأجرة المثل بخلاف هذا العقد فإنه لا يقتضي أمرا بالفعل فان قوله سابقتك على أن من سبق منافله كذا ونحو ذلك من الألفاظ الدّالة على المراد وليس فيها أمر ولا ما يقتضيه بفعل له أجرة والأصل براءة الذمة من وجوب شيء أخر غير ما تضمّنه العقد وقاعدة ان كل ما كان صحيحة موجبا للمسمّى ففاسده موجب لأجرة المثل لا دليل عليها كلية بل النزاع واقع في بعض مواردها فكل ما لا إجماع ولا دليل صالح بدل على ثبوت شيء فالأصل يخالف مدعى القاعدة هذا ما أهمّنا ذكره من كلامه ووافقه في التأمّل في القاعدة المذكورة المحقق الأردبيلي ( رحمه الله ) في شرح قول العلامة ( قدس سره ) والمقبوض بالسوم أو البيع الفاسد مضمون على المشترى وسيجئ ذكره وكان ( المصنف ) ( رحمه الله ) لم يراجع كلامه قوله ( رحمه الله ) بل مما كان فيه شائبة الإيقاع